عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

87

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه عزّ وجلّ : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ : من البدهيّ أنّ هذا قد كان بعد أن قتله قومه ، أي : أمر اللّه ملائكة الرّحمة أن تقول له : ادخل الجنّة ، فقالوا له مكرّمين : ادخل الجنّة ، إذ لفظ روحه شهيدا في سبيل اللّه ، مجاهدا بأفضل أنواع الجهاد ، وهي كلمات حقّ وصدق ودعوة إلى دين اللّه ، قالها داعيا بها ذوي سلطان كفرة فجرة طغاة بغاة جبّارين . والمراد بدخوله الجنّة ما جاء بيانه فيما صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أنّ أرواح الشهداء ، تدخل في أجواف طيور خضر ، لها قناديل معلّقة تحت العرش ، تسرح من الجنّة حيث شاءت ، وتأكل من ثمارها . وهذا في الحقيقة دخول جزئيّ في الجنّة ، وليس هو الدخول الموعود به يوم الدّين . روى مسلم والتّرمذيّ عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أرواح الشّهداء في جوف طير خضر ، لها قناديل معلّقة تحت العرش ، تسرح من الجنّة حيث شاءت ، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل ، فاطّلع إليهم ربّهم اطّلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ . قالوا : أيّ شيء نشتهي ، ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا ؟ ! . فيفعل ذلك بهم ثلاث مرّات ، فلمّا رأوا أنّهم لم يتركوا من أن يسألوا ، قالوا : يا ربّ نريد أن تردّ إلينا أرواحنا في أجسادنا ، حتّى نرجع إلى الدّنيا ، فنقتل في سبيلك مرّة أخرى . فلمّا رأى أن ليس لهم حاجة تركوا » .